الجمعة، 28 ديسمبر 2012

فضائل مصر المحروسة لابن الكندي



فضل مصر على غيرها

فأقول: فضل الله مصر على سائر البلدان، كما فضل بعض الناس على بعض والأيام والليالي بعضها على بعض، والفضل على ضربين: في دين أو دنيا، أو فيهما جميعا، وقد فضل الله مصر وشهد لها في كتابه بالكرم وعظم المنزلة وذكرها باسمها وخصها دون غيرها، وكرر ذكرها، وأبان فضلها في آيات من القرآن العظيم، تنبئ عن مصر وأحوالها، وأحوال الأنبياء بها، والأمم الخالية والملوك الماضية، والآيات البينات، يشهد لها بذلك القرآن، وكفى به شهيداً، ومع ذلك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في مصر وفي عجمها خاصة وذكره لقرابته ورحمهم ومباركته عليهم وعلى بلدهم وحثه على برهم ما لم يرو عنه في قوم من العجم غيرهم، وسنذكر ذلك إن شاء الله في موضعه مع ما خصها الله به من الخصب والفضل وما أنزل فيها من البركات وأخرج منها من الأنبياء والعلماء والحكماء والخواص والملوك والعجائب بما لم يخصص الله به بلداً غيرها، ولا أرضا سواها، فإن ثرب علينا مثرب بذكر الحرمين، أو شنع مشنع، فللحرمين فضلهما الذي لا يدفع، وما خصهما الله به مما لا ينكر من موضع بيته الحرام، وقبر نبيه عليه الصلاة والسلام، وليس ما فضلهما الله به بباخس فضل مصر ولا بناقص منزلتها، وإن منافعها في الحرمين لبينة لأنها تميرهما بطعامها وخصبها وكسوتها وسائر مرافقها، فلها بذلك فضل كبير، ومع ذلك فإنها تطعم أهل الدنيا ممن يرد إليها من الحاج طول مقامهم يأكلون ويتزودون من طعامها من أقصى جنوب الأرض وشمالها ممن كان من المسلمين في بلاد الهند والأندلس وما بينهما، لا ينكر هذا منكر، ولا يدفعه دافع، وكفى بذلك فضلا وبركة في دين ودنيا.

ذكر ما ورد في فضل مصر

فأما ما ذكره الله عز وجل في كتابه مما اختصرناه من ذكر مصر. فقول الله تعالى: " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة " وما ذكره الله عز وجل حكاية عن قول يوسف: " ادخلوا مصر إن شاء الله أمنين " وقال عز وجل: " اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم " وقال تعالى: " وجعلنا ابن مريم وأمه أيةً وأوينهما إلى ربوةٍ ذات قرار ومعين " قال بعض المفسرين: هي مصر. وقال بعض علماء مصر: هي البهنسا. وقبط مصر مجمعون على أن المسيح عيسى بن مريم وأمه عليهما السلام كانا بالبهنسا وانتقلا عنها إلى القدس.
وقال بعض المفسرين: الربوة دمشق، والله أعلم.
وقال تعالى: " وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه ".
وقال تعالى: " وقال نسوة في المدينة أمرأت العزيز تراود فتها عن نفسه " والمدينة: منف، والعزيز ملك مصر حينئذ.
وقال تعالى: ودخل المدينة على حين غفلةٍ من أهلها " هي منف، مدينة فرعون.
وقال تعالى: " وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى " هي منف أيضاً.
وقال تعالى حكاية عن إخوة يوسف: " يأيها العزيز " وقال تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: " وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو " فجعل الشام بدوا، وقال تعالى حكاية عن فرعون وافتخاره بمصر: " أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتي " وقال تعالى حين وصف مصر وما كان فيه آل فرعون من النعمة والملك بما لم يصف به مشرقا ولا مغربا، ولا سهلا ولا جبلا، ولا برا ولا بحرا: " كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ وزروعٍ ومقامٍ كريمٍ ونعمةٍ كانوا فيها فاكهين " فهل يعلم أن بلداً من البلدان في جميع أقطار الأرض أثنى عليه الكتاب بمثل هذا الثناء، أو وصفه بمثل هذا الوصف، أو شهد له بالكرم غير مصر؟ وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ستفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرا، فإن لكم منهم صهرا وذمة ".
وروى أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما ".
فأما الرحم، فإن هاجر أم إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام من القبط من قرية نحو الفرما يقال لها: أم العرب.
وأما الذمة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم، تسرى من القبط مارية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي من قرية نحو الصعيد، يقال لها حفن من كورة أنصنا، فالعرب والمسلمون كافة لهم نسب بمصر من جهة أمهم مارية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، والقبط أخوالهم.
وصارت العرب كافة من مصر، بأمهم هاجر؛ لأنها أم إسماعيل صلى الله عليه وسلم، وهو أبو العرب.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ستكونون أجنادا، وخير أجنادكم الجند الغربي، فاتقوا الله في القبط: لا تأكلوهم اكل الخضر ".
وروى عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض ".
قال أبو رضي الله عنه: ولم ذلك يا رسول؟ قال: " لأنهم في رباط إلى يوم القيامة ".

دعاء الأنبياء لمصر وأهلها

وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جماعة من الملوك منهم هرقل، فما أجابه أحد منهم، وكتب إلى المقوقس صاحب مصر فأجابه عن كتابه جواباً جميلا، وأهدى إليه ثياباً وكراعاً وجارتين من القبط؛ مارية وأختها وأهدى إليه عسلا فقبل هديته، وتسرى مارية، فأولدها ابنة إبراهيم، وأهدى أختها لحسان ابن ثابت فأولدها عبد الرحمن بن حسان.
وسأل عليه الصلاة والسلام عن العسل الذي أهدى إليه، فقال من أين هذا؟ فقيل له من قرية بمصر يقال لها بنها، فقال: " اللهم بارك في بنها وفي عسلها " فعسلها إلى يومنا هذا خير عسل مصر.
وروى عن عبد الله بن عباس أنه قال: دعا نوح عليه السلام ربه، لولده وولد ولده: مصر بن بيصر بن حام بن نوح، وبه سميت مصر، وهو أبو القيط فقال: اللهم بارك فيه وفي ذريته وأسكنه الأرض المباركة التي هي أم البلاد وغوث العباد، ونهرها أفضل أنهار الدنيا واجعل فيها أفضل البركات، وسخر له ولولده الروض، وذللها لهم، وقوهم عليها.
والكعبة: البيت الحرام، وهو بيت هاجر وابنها إسماعيل عليهما السلام اللذين كانا يسكنانه، وروى أن البيت هدم في الجاهلية فولت قريش بناءه رجلا من القبط يقال له: بقوم، فأدركه افسلام وهو على ذلك البناء.

من صاهر القبط من الأنبياء

وصاهر القبط من الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام، بتسريه هاجر أم إسماعيل عليهما السلام.
ويوسف بتزوجه بنت صاحب عين شمس التي ذكرها الله في كتابه، فقال تعالى: " وغلقت الأبواب وقالت هيت لك " ومحمد صلى الله عليه وسلم بتسريه مارية.

من ذكرهم الله تعالى في كتابه من أهل مصر

وممن ذكرهم الله تعالى في كتابه من أهل مصر، رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه.
قال تعالى: " وقال رجل مؤمن من أل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ".
ومنهم قارون، وكان ابن عم موسى: قال الله تعالى: " وأتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولى القوة ".
وقال عز وجل: " فخرج على قومه في زينته ".
وكان قارون أيسر أهل الدنيا.
ومنهم: هامان، قال تعالى: " وقال فرعون يأيها الملأ ما علمت لكم من إلهٍ غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً ".
ومنهم فيما يقال: الخضر عليه السلام، وروى بعض أهل العلم أنه ابن فرعون موسى لصلبه، وكان آمن بموسى، وجاز البحر معه، وكان مقدما عنده، وكان نبياً.
ومنهم: وزراء فرعون وجلساؤه، ذكر الله تعالى عنهم في كتابه حسن المحضر ورجاحة العقل، قال تعالى حكاية عن فرعون: " قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحارٍ عليم ".
فهل في الدنيا جلساء ملك أرجح عقلا واحسن محضرا منهم؟ حيث أنصفوا، وأمروا أن يمتحن بمثل ما وقع لهم أنه يشبه ما جاء به، ولم يكونوا في المنزلة وقبح المحضر كوزراء نمرود، حين شاورهم في إبراهيم عليه السلام.
قال تعالى حكاية عنهم: " قالوا حرقوه وانصروا ألهتكم إن كنتم فاعلين ".
ذكر الله عز وجل ذلك عنهم في كتابه العزيز.
ومنهم: السحرة الذين تجمعوا لموسى حين رأوا آيات موسى لم يصروا على الكفر، ولم يلبثوا أن آمنوا وسجدوا لله عز وجل.
قال تعالى في كتابه: فألقى السحرة ساجدين قالوا أمنا برب العالمين رب موسى وهارون وفي آيات كثيرة كرر ذكرهم وأثنى عليهم.
" فاقض ما أنت قاضٍ إنما تقضى هذه الحياة الدنيا ".
وروى ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة السبئي، وبكر بن عمر والخولاني، ويزيد بن أبي حبيب، قالوا: كان عدد السحرة اثنى عشر ساحراً تحت يدي كل ساحر منهم عشرون عريفا. تحت يدي كل عريف منهم ألف من السحرة فكان جميع السحرة مائتي ألف وأربعين ألفا ومائتين واثنين وخمسين إنسانا بالرؤساء والعرفاء.
وأجمعت الرواة على أنه لا يعلم جماعة أسلمت في ساعة واحدة أكثر من جماعة القبط، وروى أنه لم يفتتن رجل واحد منهم كما افتتن بنو إسرائيل بعبادة العجل.
وروى أن عبد الله بن عمر وقال: القبط أكرم الأعاجم محتداً، وأسمحهم يداً، وأفضلهم عنصراً، وأقربهم رحماً بالعرب كافة، وبقريش خاصة.
وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " مصر أطيب الأرضين ترابا، وعجمها أكرم العجم أنسابا ".
وقال بعض أهل العلم: لم يبق من العجم أمة إلا وقد اختلطت بغيرها إلا قبط مصر.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حين مات ابنه إبراهيم: " لو عاش كان صديقا نبيا، وإن له لمرضعتين في الجنة، ولو عاش لعتقت القبط وما استرق أحد منهم أبدا ".

ذكر من أظهرته مصر من الحكماء

منهم: نيروز أبو بختنصر من أهل قرية يقال لها: سيسرو من كورة أرمنت وكان رجلا من أهل العلم فنظر في علمه فإذا به يخرج من صلبه رجل يخرب مصر فأعطى الله عز وجل موثقا أنه لا ينكح امرأة أبداً. وخرج إلى الشام ثم إلى العراق، فأقام بفارس بقرية يقال لها نفر وكان لملك تلك القرية ابنة بها لمم، فوصف المصري لها دواء لعلاجها.
فلما رآها شاهد حسنا بارعا وخطبها من أبيها فدخل عليها فجرت بينهما أسباب حتى حملت منه، فوضعت بختنصر فجرى خراب الدنيا على يديه.
ومنهم: الإسكندر ذو القرنين، من أهل قرية نحو الإسكندرية يقال لها لوبية، ملك الأرض بأسرها، وذكره الله في كتابه العزيز باسمه، فقال تعالى: " ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكراً إنا مكنا له في الأرض وأتيناه من شيءٍ سببا فأتبع سبباً حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عينٍ حمئةٍ ووجد عندها قوماً قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ".
وبنى سد يأجوج ومأجوج، قال الله تبارك وتعالى: " قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوةٍ أجعل بينكم وبينهم ردماً أتوني زبر الحديد " وبنى الإسكندرية ويروى أنها: " إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد ".
وبنى الإسكندرية ببلاد الخزر وبنى مدينة سمرقند وبنى الأبراج والمناظر ببلد البسكس على بحيرة طابس في آخر العمارة التي بالشمال، وفعل بالعراق الأفاعيل العجيبة، غضباً لما فعل بختنصر بمصر، فقتل دارا بن دارا، وخرب العراق.
وكتب إلى معلمه بمصر أرسطاطاليس يشاوره في قتل من بقي منهم.
فكتب إليه: لا تفعل، ولكن ول كل رئيس منهم ناحية من بلده، فإنهم يتنافسون في الرياسة، ولا يجمعهم ملك أبداً، ففعل فلبثوا على ذلك زماناً طويلاً، فلما قام أردشير واجتمعوا عليه، بعد تعب عظيم وحروب ومشقة قال: إن كلمة فرقتنا أربعمائة سنة لكلمة مشئومة.
ومنهم: هرمس، المثلث بالنعمة: نبي، وملك، وحكيم، وهو الذي صير الرصاص ذهباً بصاصا.
ومنهم أغاثيمون، وفيثاغورس، تلميذا هرمس من أصحاب الصابئة، ولهما من العلوم صنعة الكيمياء والنجوم والسحر وعلم الروحانيات والطلسمات والبرابي وأسرار الطبيعة وقد أودعت البرابي ذلك.
ومنهم أوسيلا وسيزوارس وبندقليس أصحاب الكهانة والزجر.
ومنهم سقراط صاحب الكلام على البارئ عز وجل، والحكمة والبلاغة.
ومنهم أفلاطون صاحب السياسة والنواميس والكلام على المدن والملوك.
ومنهم أرسطاطاليس صاحب النطق والآثار العلوية، والحس والمحسوس والكون والفساد، والسماء والعالم، وسمع الكيان والسماع الطبيعي، ورسالة نبت الذهب، ورسالة الغراء فيما بعد الطبيعة. حتى إن يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب له أكثر من ألف كتاب في كل معنى، كلها فصول من كتب أرسطاطاليس.
ومنهم بطلميوس القلوذى صاحب الرصد والحساب، وهو صاحب كتاب المجسطى في تركيب الأفلاك وحركة الشمس والقمر والكواكب المتحركة والثابتة وصورة فلك البروج، وكتاب جغرافيا في مساحة الأرض وأقاليمها، والجبال والبحار وألوانها، والأنهار والعيون وابتدائها وانتهائها، وصفة الأمم الذين يعمرون الأرض، وكتاب الثمرة في أحكام النجوم، وكتاب تسطيح الكرة.
ومنهم أراطس صاحب البيضة ذات الثمانية والأربعين صورة في تشكيل صورة الفلك. والألف كوكب، واثنين وعشرين كوكباً من الكواكب الثابتة، والزيج العلوي.
ومنهم إبرخس صاحب الرصد والالة المعروفة بذات الحلق.
ومنهم ثاون صاحب الزيج المنسوب إليه.
ومنهم دامانيوس، وواليس، وأصطفن أصحاب كتب أحكام النجوم.
ومنهم إيرن، وله الهندسة والمقادير، وكتاب جر الأثقال، والحيل الروحانية وعمل البنكامات والآلات لقياس الساعات.
ومنهم فيلون البرنطي، وله عمل الدواليب والأرحية والحركات بالحيل اللطيفة.
ومنهم أرشميدس، صاحب الحيل والهندسة، والمرايا، والمرايا المحرقة، وعمل المجانيق ورمي الحصون، والحيل على الجيوش والعساكر براً وبحراً.
ومنهم مارية وقلبطرة، ولهم الطلسمات، والخواص للطبائع.
ومنهم أبلونيوس، وله كتاب المخروطات، وكتاب قطع الخطوط.
ومنهم تابوشيش، وله كتاب الأكر، ومنهم ذيوفنطس، وله كتاب الحساب. ومنهم أوطوقيوس، وله كتاب الكرة والأسطوانة.
ودخلها جالينوس، وديسقوريدس صاحب الحشائش، وديوجانس، وأركاغانس، وأوريباسيوس، وفريقونوس، وروفس ولهم الطب اليوناني.
فكل هؤلاء سكنوا مصر في الدهور الخالية والأيام السالفة، فما غيرت ذهن واحد منهم ولا أضرت بعقله.

من كان بمصر من الأنبياء

وأما من كان بها من الأنبياء عليهم السلام، فإبراهيم الخليل، وإسماعيل ويعقوب، ويوسف. واثنا عشر نبياً من ولد يعقوب وهم الأسباط وموسى وهارون ويوشع بن نون، وعيسى بن مريم، ودانيال، عليهم الصلاة والسلام. فهذا ما ذكر: من كان بها قبل الإسلام.

من كان بمصر في الإسلام من الصحابة

وأما من كان بها في الإسلام من الصحابة والفقهاء والعلماء والأحبار والزهاد ومن دخلها من الملوك والخلفاء وأهل العلم والشعر والنحو والخطابة، وكل من برع على أهل زمانه، أو نجم على أهل عصره، فيتسع ذلك علينا، ولكن نختصر من ذلك على المشهورين.
ذكر أهل العلم والمعرفة والرواية أنه دخل مصر في فتحها ممن صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة رجل ونيف. وقال يزيد بن أبي حبيب: وقف على إقامة قبلة المسجد الجامع ثمانون رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. منهم الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وفضالة بن عبيد، وعقبة بن عامر وأبو ذر ومحمية بن جزء ونبيه بن صؤاب، ورافع بن مالك، وربيعة بن شرحبيل بن حسنة، وسعد بن أبي وقاص وعمرو ابن علقمة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب وخارجة بن حذافة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحمد بن مسلمة، ومسلمة بن مخلد، وأبو أيوب ورويفع بن ثابت، وهبيب بن مغفل، وكعب بن ضنة، ومعاوية بن حديج، وعمار بن ياسر، وعمرو بن العاص، وأبو هريرة وغيرهم.

من كان بمصر من الفقهاء والعلماء

وأما من كان بها من الفقهاء والعلماء، فمنهم: يزيد بن أبي حبيب، والليث بن سعد، وله مذهب انفرد به. وهو الذي أخرج الرشيد من يمينه التي عجز عنها فقهاء الدنيا، ومنهم عبد الله بن وهب يفوق بتصنيفه جماعة من الفقهاء المصنفين، وله من تصنيفه نحو مائة جزء، ومنهم عبد الله بن لهيعة، له منزلة في الفقه والحديث والأخبار، ومنهم أشهب، وابن القاسم وعبد الله بن عبد الحكم، وأسد بن موسى، ومحمد بن عبد الحكم، والمزنى، والربيع المؤذن، وأحمد بن سلامة الطحاوي، وكل واحد منهم قد برع في مذهبه، ونجم على أهل عصره، ولكل واحد منهم من الكتب المصنفة ما يعجز عن نظيرها أهل النيا. ومنهم سعيد بن عفير، ويحيى بن عثمان، وابن قديد، ومحمد بن يوسف الكندي، والميسرى، وابن أبي خيثمة، وكل واحد منهم قد فاق أهل عصره وبرز عليهم في الفقه والعلم والأخبار وأيام الناس والافتنان في سائر العلوم.

من كان بمصر من الزهاد

وكان بها من الزهاد، حيوة بن شريح، وسليم بن عتر، وسليمان بن القاسم، وأبو الربيع الزبدي، وسعيد الأدم، وإدريس الخولاني وذو النون المصري وغير من ذكرناهم، ونشأ بينهم هانئ ابن المنذر. وشاعرهم: حبيب بن أوس الطائي. وفارسهم: مالك بن ناعمة، فارس الشقر. ومتكلمهم: غيلان أبو مروان، رئيس الغيلانية.
من ولد بمصر من الخلفاء
وولد بها من الخلفاء، عمر بن عبد العزيز، وجعفر المتوكل على الله.

من دخل مصر من الفقهاء وغيرهم
وأما من دخلها من الفقهاء وغيرهم، فالشعبي وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومحمد بن إسماعيل بن علية، والشافعي، وحفص الفرد وإبراهيم بن أدهم، ومنصور بن عمار المتكلم.

من دخل مصر من الخلفاء
ودخلها من الخلفاء معاوية، ومروان بن الحكم، وعبد الله بن الزبير، وعبد الملك بن مروان، ومروان بن محمد، والسفاح، والمنصور، والمأمون، والمعتصم، والواثق.

من دخل مصر من الشعراء
ودخلها من الشعراء، نصيب، وجميل بثينة، وكثير عزة، وعبيد الله بن قيس الرقيات، والأحوص وعبد الله بن الزبير، وأبو ذؤيب، ومعلى الطائي، وأبو نواس، ودعبل بن علي الخزاعي، والغيداق، وزبدة، وأبو صعصعة، وأبو حجلة وأبو نجاد، وابن حذار، والحسين الجمل، وغير من ذكرناهم.
ذكر مصر وفضلها على غيرها من الأمصار
وأما ذكر مصر وفضلها على غيرها من الأمصار وما خصت به وأوثرت به على غيرها، فروى أبو بصرة الغفاري قال: مصر خزانة الأرض كلها، وسلطانها سلطان الأرض كلها، قال الله تعالى على لسان يوسف عليه السلام.
" قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ".
ولم تكن تلك الخزائن بغير مصر، فأغاث الله بمصر وخزائنها كل حاضر وباد من جميع الأرض.
وجعلها الله تعالى متوسطة الدنيا، وهي في الإقليم الثالث والرابع، فسلمت من حر الإقليم الأول والثاني، ومن برد الإقليم الخامس والسادس والسابع، فطاب هواؤها، ونقي جوها وضعف حرها، وخف بردها، وسلم أهلها من مشاتي الجبال، ومصائف عمان، وصواعق تهامة، ودماميل الجزيرة، وجرب اليمن، وطواعين الشام، وغيلان العراق، وعقارب عسكر مكرم، وطلب البحرين، وحمى خيبر، وأمنوا من غارات الترك، وجيوش الروم وطوائف العرب، ومكائد الديلم، وسرايا القرامطة، وبثوق الأنهار، وقحط الأمطار، وقد اكتنفها معادن رزقها؛ وقرب تصرفها، فكثر خصبها، ورغد عيشها، ورخص سعرها.
وقال سعيد بن أبي هلال: مصر أم البلاد، وغوث العباد. وذكر أن مصر مصورة في كتب الأوائل، وسائر المدن مادة أيديها إليها تستطعمها.
وقال عمرو بن العاص: ولاية مصر جامعة، تعدل الخلافة.
وأجمع أهل المعرفة: أن أهل الدنيا مضطرون إلى مصر يسافرون إليها، ويطلبون الرزق بها، وأهلها لا يطلبون الرزق في غيرها، ولا يسافرون إلى بلد سواها، حتى لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا لغني أهلها بما فيها عن سائر بلاد الدنيا.
ورى عن حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، حديث، يرفعه إلى الله عز وجل يقول يوم القيامة لساكني مصر فيما يعدد عليهم من نعمته ألم أسكنكم مصر، فكنتم تشبعون من خبزها وتروون من مائها، أمسكوا على أفواهكم.
وقال يحيى بن سعيد: جلت البلاد فما رأيت الورع ببلد من البلدان أعرفه إلا بالمدينة وبمصر. وقال خالد بن يزيد: كان كعب الأحبار يقول: لولا رغبتي في الشام لسكنت مصر؛ فقيل: ولم ذلك يا أبا إسحاق؟ قال: إني لأحب مصر وأهلها؛ لأنها بلدة معافاة من الفتن، وأهلها أهل عافية، فهم بذلك يعافون، ومن أرادها بسوء كبه الله على وجهه، وهو بلد مبارك لأهله فيه.
وروى عن شفي بن عبيد الأصبحي، أنه قال: مصر بلدة معافاة من الفتن لا يريدهم أحد بسوء إلا صرعه الله، ولا يريد أحد هلكهم إلا أهلكه الله.
وذكر أهل العلم أنه مكتوب في التوراة: بلد مصر خزانة الله، فمن أرادها بسوء قصمه الله.
وقال أبو الربيع السائح: نعم البلد مصر، يحج منها بدينارين، ويغزى منها بدرهمين. يريد الحج في بحر القلزم، والغزو إلى الإسكندرية وسائر سواحل مصر.
وذكر يحيى بن عثمان، عن أحمد بن عبد الكريم، قال: جلت الدنيا، ورأيت أهلها، ورأيت آثار الأنبياء والملوك والحكماء، ورأيت بناء كسرى وقيصر وغيرهما من ملوك الأرض، ورأيت آثار سليمان بن داود عليهما السلام ببيت المقدس وتدمر، والأردن، وما بنته الشياطين بتدبير النبوة، فلم أر مثل برابي مصر على حكمتها، ولا مثل الآثار التي بها، والأبنية التي لملوكها وحكمائها.

خراج مصر

وأما خراجها فجباها عمرو بن العاص أول سنة فتحها عشرة آلاف ألف دينار، وكتب إليه عمر بن الخطاب يعجز رأيه ويقول: جبيت للروم عشرين ألف ألف دينار، فلما كان في العام المقبل جباها اثني عشر ألف ألف دينار، فلما عزل عثمان عمراً منها، وولي عبد الله بن أبي سرح، زاد على القبط في الخراج والمؤن، فبلغت أربعة عشر ألف ألف دينار، فقال عثمان لعمرو. درت اللقحة، فقال عمرو: وأضررتم بالفصيل، فأدبرت منه يومئذ، ولم تزل تنقص إلى اليوم. فما جبيت في أيام بني أمية وبني العباس إلا دون الثلاثة الآلاف ألف دينار غير ولاية أمير المؤمنين هشام، فإنها جباها ابن الحبحاب أربعة آلاف ألف، وولاية بني طولون بالغوا في عمارتها فجباها أبو الجيش أربعة آلالف ألف دينار.
وولي خراجها ابن الحبحاب لأمير المؤمنين هشام، فخرج بنفسه فمسح أرض مصر كلها عامرها وغامرها مما يركبه النيل فوجد فيها ثلاثين ألف ألف فدان.
وقال الليث بن سعد: ولي الخراج الوليد بن رفاعة لأمير المؤمنين هشام، فخرج لإحصاء الجماجم والقرى، فأقام ستة أشهر بالصعيد، وبأسفل الأرض ثلاثة أشهر، فأحصى فوق عشرة آلاف قرية، أصغر قرية فيها خمسمائة جمجمة من القبط، تكون جملة ذلك خمسة آلاف ألف.
وولي الخراج أسامة بن يزيد لأمير المؤمنين سليمان، فكتب إليه أن احلب الدر حتى ينقطع، واحلب الدم حتى ينصرم. فذلك أول شدة أصابت أهل مصر، فقال سليمان يوماً وقد أعجبه ما فعل أسامة: أسامة لا يرتشي ديناراً ولا درهماً، فقال له عمر بن عبد العزيز: أنا أدلك على من هو شر من أسامة ولا يرتشي ديناراً ولا درهماً؛ قال: من هو؟ قال: عدو الله إبليس، فغضب سليمان وقام من مجلسه، فلما توفي أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك وولي عمر بن عبد العزيز وجه في عزل أسامة قبل دفن سليمان وولي حيان بن شريح، وأمره أن يحبس أسامة في كل جند ستة أشهر، وأسامة بنى المقياس القديم.
وكتب المنصور إلى محمد بن سعيد: وكان يلي خراج مصر يستحثه بالخراج، فكتب إليه يشكو اختلالها، وأنها تحتاج إلى إنفاق فإنها ترد أضعاف ما ينفق فوافق ذلك خروج بن الحسن فكتب إليه:
لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج
فزاد ذلك في انكسارها واختلالها.
وذكر أن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال للمقوقس: ويحك إنك قد وليت هذا المصر ثلاثين سنة، فبم تكون عمارتها؟ قال: بخصال؛ منها أن تحفر خلجها وتسد جسورها وترعها، ولا يؤخذ خراجها إلا من غلتها، ولا يقبل مطل أهلها، ويوفى لهم بالشروط، وتدر الأرزاق على العمال، لئلا يكون تأخيرها سبباً للارتشاء، ويرفع عن أهلها المعاون والهدايا، ليكون ذلك لهم قوة، فبذلك تعمر ويرجى خراجها.

مناظر مصر وجمالها

وأما ما يعجب من رونق منظرها، فذكر عن كعب الأحبار أنه قال: من أراد أن ينظر إلى شبه الجنة، فلينظر إلى مصر إذا أخرفت وغذا أزهرت، وإذا اطردت أنهارها، وتدلت ثمارها، وفاض خيرها، وغنت طيرها.
وعن عبد الله بن عمرو قال: من أراد أن ينظر إلى الفردوس فلينظر إلى أرض مصر حين تخضر زروعها، ويزهر ربيعها، وتكسى بالنوار أشجارها وتغنى أطيارها.
وقال المأمون لإبراهيم بن تميم: صف لي مصر حين تخضر زروعها، ويزهر ربيعها، وتكسى بالنوار أشجارها، وأوجز. قال جحفلة: الفرس في الربيع، وعجزه في الرمل. يريد أنها برية بحرية يرتع الفرس في الربيع، ويبرد في بروده.
وذكر أهل مصر أن موسى بن عيسى الهاشمي وكان أمير مصر، قال لهم يوماً وهو بالميدان الذي في طرف المقابر: أتتأملون ما أرى؟ قالوا: وما يرى الأمير؟ قال: أرى ميدان رهان، وجنان نخل، وبستان شجر ومنازل سكنى، وذروة جبل، وجبان أموات، ونهراً عجاجاً، وأرض زرع، ومرعى ماشية، ومرتع خيل، وصائد بحر، وقانص وحش وملاح سفينة، وحادي إبل، ومفازة رمل وسهلا وجبلا في أقل من ميل في ميل.
وذكر أنه صورت للرشيد صورة الدنيا فما استحسن منها غير بلد أسيوط، وذلك أن مساحته ثلاثون ألف فدان في دست واحد، لو قطرت قطرة فاضت على جميع جوانبه، ويزرع فيه الكتان والقمح والقرط وسائر أصناف الغلات فلا يكون على وجه الأرض بساط أعجب منه، ويسايره من جانبه الغربي جبل أبيض على صورة الطيلسان، كأنه قرنان، ويحف به من جانبه الشرقي النيل، كأنه جدول فضة، لا يسمع فيه الكلام من شدة أصوات الطير.
وأجمع الناس أنه ليس على وجه الدنيا بساط قرط فيه خيل موقوفة وخيام مضروبة، ونتاج، ومهارى، وسائمة، وقهارمة، إلا بمصر.

ذكر ما ورد في نيل مصر

وأما نيلها، فروى ابن لهيعة: أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب: أسألك بالله العظيم يا كعب، هل تجد لنيل مصر في كتاب الله خيراً؟ قال: إي والذي فلق البحر لموسى عليه السلام! إني لأجد في كتاب الله عز وجل أن الله يوحى إليه عند جريه: إن الله يأمرك أن تجري كذا وكذا، فاجر على اسم الله، ثم يوحى إليه عند انتهائه: إن الله يأمرك أن ترجع، فارجع راشداً.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أربعة أنهار من الجنة سيحان وجيحان والنيل والفرات ".
ورى أن الله تعالى خلق نيل مصر معادلا لأنهار الدنيا ومياهها، فحين يبتدئ في الزيادة تنقص كلها لمادته، وحين ينقصى تمتلئ كلها.
وذكر أبو قبيل، أن نيل مصر في زيادته يفور كله من أوله إلى آخره. وقال ابن لهيعة: كان لنيل مصر قطيعة على كور مصر، مائة ألف وعشرين ألف رجل، معهم المساحى، والآلات سبعون ألفاً للصعيد، وخمسون ألفاً لأسفل الأرض لحفر الخلج وإقامة الجسور والقناطر وسد الترع، وقطع القضب والحلفاء، وكل نبت مضر بالأرض.
وقال محفوظ بن سليمان: إذا تم الماء ست عشرة ذراعاً فقد وفى خراج مصر، فإذا زاد بعد ذلك ذراعاً واحدة زاد في الخراج مائة ألف دينار لما يروى من الأعالي، فإن زاد بعد ذلك ذراعاً أخرى نقص مائة ألف من الخراج، لما يستجر من البطون.
وذكر ابن عفير، أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص. سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإني فكرت في بلدك فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة، قد أعطى الله أهلها عدداً وجلداً وقوة في بر وبحر، قد عالجتها الفراعنة، وعملوا فيها عملا محكماً، مع شدة عتوهم، فعجبت من ذلك، فأحب أن تكتب إلى بصفة مصر كأني أنظر إليها.
فكتب إليه عمرو بن العاص: بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فقد بلغني كتابك وقرأته وفهمته، وأما ما ذكرت فيه من صفة مصر، فإن كتابي سيكشف عنك عمى الخبر، ويرمى على بالك بنافذ البصر، إن مصر وما أحببت أن تعلمه من صفتها، تربة سوداء، وشجرة خضراء بين جبل أغبر ورمل أعفر، قد اكتنفها معدن رفقها، ومحط رزقها، ما بين أسوان، إلى منشأ البحر، في سح النهر، مسيرة الراكب شهراً، كأن ما بين جبلها ورملها بطن أقب، وظهر أجب، يخط فيه نهر مبارك الغدوات، ميمون البركات، يسيل بالذهب، ويجري بالزيادة والنقصان كمجاري الشمس والقمر، له أيام تسيل إليه عيون الأرض وينابيعها مأمورة بذلك، حتى إذا ربا وطما، واصلخم لججه، واغلولب عبابه، كانت القرى بما أحاط بها كالربا لا يوصل من بعضها إلى بعض إلا في السفائن والمراكب، ولا يلبث إلا قليلا حتى يكون كأول ما بدأ من جريه وأول ما طما من شربه، وحتى تستبين فنونها ومتونها، ثم تنتشر فيه أمة محقورة، قد رزقوا على أرضهم جلداً وقوة، لغيرهم ما سعوا به من كدهم بلا حمد ينالهم من ذلك، يسقون سهل الأرض وخرابها وروابيها، ثم يلقون فيها من صنوف الحب ما يرجون به التمام من الرب، وما يلبث إلا قليلا حتى يشتد، ثم تسيل قنواته وتصفر، يسقيه من تحته الثرى ومن فوقه الندى، أو سحاب منهمر بالأرائك مستدر، ثم في هذا الزمان من زمانها يغنى ذبابها، ويبدأ في صرامها، فبينما هي مدرة سوداء إذا هي لجة زرقاء، ثم غوطة خضراء، ثم ديباجة رقشاء، ثم فضة بيضاء، فتبارك الله أحسن الخالقين، الفعال لما يشاء. وإن خير ما اعتمدت عليه في ذلك شكر الله عز وجل يا أمير المؤمنين، على ما أنعم عليك منها، فأدام الله لك النعمة والكرامة في أمورك كلها والسلام.
وأجمع أهل العلم أنه ليس في الدنيا نهر أطول مدى من النيل، يسير مسيرة شهر في بلاد الإسلام وشهرين في بلاد النوبة وأربعة أشهر في الخراب حيث لا عمارة، إلى أن يخرج من جبل القمر خلف خط الاستواء.
وليس في الدنيا نهر يصب من الجنوب إلى الشمال إلا هو وليس نهر يصيب في بحر الروم والصين غير نيل مصر. وليس في الدنيا نهر يزيد ويمد في أشد ما يكون من الحر حين تنقص أنهار الدنيا وعيونها غير نيل مصر، وكلما زاد الحر كان أقوى لزيادته، وليس في الدنيا نهر يزيد بترتيب غير نيل مصر.
وليس في الدنيا نهر يزرع عليه ما يزرع على نيل مصر، ولا يجبي من خراج نهر من أنهار الدنيا ما يجبي من خراج النيل.

فضل مقبرة مصر

وأما فضل مقبرتها فذكر أهل العلم أن الطور من المقطم وأنه داخل فيما وقع عليه القدس في قوله تعالى: " وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجياً ". وقال تعالى: " إنك بالواد المقدس طوىً ".
قال كعب: كلم الله تعالى موسى من الطور إلى أطراف المقطم من القدس، وقال تبيع: منازل الفسطاس في القدس.
وروى أن موسى عليه السلام سجد، فسجدت معه كل شجرة من المقطم إلى طوى.
ويروى أنه مكتوب في التوراة: وادي فتح مقدس جديد يعني وادي مسجد موسى عليه السلام بالمقطم عند مقطع الحجارة، وأن موسى عليه السلام كان يناجي ربه بذاك الوادي.
وروى أسد بن موسى قال: شهدت جنازة مع ابن لهيعة، فجلسنا حوله، فرفع رأسه، فنظر إلى الجبل، فقال: إن عيسى بن مريم عليه السلام مر بسفح هذا الجبل، وعليه جبة صوف، وقد شد وسطه بشريط، وأمه إلى جانبه، فالتفت إليها وقال: يا أماه هذه مقبرة أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وبينما عمرو بن العاص يسير في سفح المقطم ومعه المقوقس، فقال له عمرو: ما بال جبلكم هذا أقرع ليس عليه نبات كجبال الشام، فلو شققنا في أسفله نهراً من النيل وغرسناه نخلا؟ فقال المقوقس: وجدنا في الكتب أنه كان أكثر الجبال أشجاراً ونباتاً وفاكهة، وكان ينزله المقطم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام، فلما كانت الليلة التي كلم الله تعالى فيها موسى عليه السلام، أوحى إلى الجبال؛ إني مكلم نبياً من أنبيائي على جبل منكم، فسمعت الجبال كلها وتشامخت، إلا جبل بيت المقدس، فإنه هبط وتصاغر، فأوحى الله تعالى إليه لم فعلت ذلك؟ وهو به أخبر، فقال: إعظاماً وإجلال لك يا رب! قال: فأمر الله الجبال أن يحيوه، كل جبل مما عليه من النبت، وجاد له المقطم بكل ما عليه من النبت حتى بقى كما ترى، فأوحى الله تعالى إليه إني معوضك على فعلك بشجر الجنة أو غراسها، فكتب بذلك عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فكتب إليه: إني لا أعلم شجر الجنة أو غراسها لغير المسلمين، فاجعله لهم مقبرة، ففعل، فغضب المقوقس من ذلك، وقال لعمرو: ما على هذا صالحتني! فقطع له عمر قطيعاً نحو بركة الحبش يدفن فيه النصارى.
وروى عبد الله بن لهيعة عن عياش بن عباس أن كعب الأحبار سأل رجلا يريد السفر إلى مصر، فقال له: أهد لي تربة من سفح مقطمها، فأتاه منه بجراب، فلما حضرت كعباً الوفاة أمر به ففرش في لحده تحت جنبه.
والإجماع على أنه ليس في الدنيا مقبرة أعجب منها ولا أبهى ولا أعظم ولا أنظف من أبنيتها وقبابها وحجرها، ولا أعجب تربة منها، كأنها الكافور والزعفران مقدسة في جميع الكتب، وحين تشرف عليها تراها كأنها مدينة بيضاء، والمقطم عال عليها كأنه حائط من ورائها.

الخواص والعجائب التي بمصر

وأما الخواص التي بها والعجائب والبركات والحكم، فجبلها المقدس، ونيلها المبارك، وبها الطور حيث كلم الله تعالى موسى، وبها الوادي المقدس، وبها ألقى موسى عصاه، وبها فلق البحر لموسى، وبها ولد موسى وهارون وعيسى عليهم السلام. وبها كان ملك يوسف وبها النخلة التي ولدت مريم عيسى تحتها بسدمنت من كورة أهناس، وبها اللبخة التي أرضعت عندها مريم عيسى بأشمون، فخرج من هذه اللبخة الزيت، وبها مسجد إبراهيم، ومسجد مارية أم إبراهيم سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفن، أوصت أن يبني بها مسجد فبنى.
وبها من الأبنية وآثار الحكمة: البرابي والهرمان، وليس على وجه الأرض بناء باليد حجراً فوق حجر أطول منهما وجاءت الأخبار أنهما قبرا هرمس وأغاثيمون، والصابئة تحجهما من حران.
قال عمر بن أبي عمر: أنا لقيت من الصابئة من حجمها.
وبها منارة الإسكندرية، وبها عمود عين شمس.
وبها صدع أبي قير الذي تفر إليه طير البواقيرات في يوم من السنة كان معروفاً فكلما أدخل بوقير منها منقاره في الصدع مضى لسبيله فلا يزال يفعل ذلك حتى يلتقي الصدع على بوقير منها فيجسه ولا يزال معلقاً حتى تذروه الرياح.
وبها حائط العجوز من العريش إلى أسوان؛ يحيط بأرض مصر كلها.
وبالنيل السمكة التي تسمى الرعادة، إذا وضع الرجل الجلد يده عليها لم يتمالك أن يضطرب جسمه كله اضطراباً شديداً.
وبها مجمع البحرين، وهو البرزخ الذي ذكره الله تعالى فقال: " مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبتغيان ". وقال تعالى: " وجعل بين البحرين حاجزاً "، وهما بحر الصين وبحر الروم، والحاجز بينهما مسيرة ليلة ما بين القلزم والفرما. وليس يتقاربان في بلد من البلدان تقاربهما بهذا الموضع، وبينهما في السفر مسيرة شهور.
وليس بالدنيا بلد من البلدان يأكل أهله صيد البحر طرياً غير أهل مصر. وبها من الطرز والقصب التنيسي والثوب الدبيقي ما ليس بغيرها، وليس في الدنيا طراز يبلغ الثوب الساذج منه الذي ليس فيه ذهب مائة دينار غير ثوب تنيس ودمياط. ويقال: إنه ليس في الدنيا منزل إلا وفيه من ثوب تنيس ولو خرقة.
وبها الثياب الصوف والأكسية المرعز، وليس هي في الدنيا إلا بمصر.
وذكر بعض أهل مصر أن معاوية لما كبر كان لا يدفأ، فأجمعوا أنه لا يدفئه إلا أكسية تعمل في مصر، من صوفها المرعز العسلي غير مصبوغ، فعمل له منها عدد، فما احتاج منها إلا إلى واحد.
ولهم طراز البهنسا من الستور والمضارب ما يفرقون به طراز أهل الدنيا.
ولهم النتاح العجيب من الخيل والبغال والحمير ما يفوق نتاج أهل الدنيا، وليس في الدنيا فرس في نهاية الصورة في العنق غير الفرس المصري، وليس في الدنيا فرس لا يردف غير المصري، وسبب ذلك قصر ساقية وبلاغة صدره وقصر ظهره، وذكر أن الوليد عزم على أن يجري الخيل ويمتحن خيل البلدان، فكتب إلى سائر الأمصار أن يتخير له خيل كل بلد، ويتوجه به إليه، فلما اجتمعت عرضت عليه، فمرت به المصرية، فلما رآها دقيقة العصب، لينة المفاصل والأعطاف، قال: هذه خيل ما عندها طائل، فقال له عمر بن عبد العزيز وهو جالس معه: وأين الخير كله إلا لهذه وعندها! فقال له: ما تترك تعصبك يا أبا حفص لمصر على كل حال، فلما أجريت الخيل جاءت المصرية كلها سابقة ما خالطها غيرها.
ولهم معدن الذهب، بفوق معدنهم كل معدن.
ولهم معدن الزمرد، وليس في الدنيا زمرد إلا معدن بمصر، ومنها يحمل إلى سائر الدنيا. ولهم القراطيس، وليس هي في الدنيا إلا بمصر ولهم القمح اليوسفي، وليس هو في الدنيا إلا بمصر. ولهم زيت الفجل ودهن البلسان والأفيون والأبرميس وشراب العسل والبسر البرني الأحمر واللبخ والخس والكبريت، والريش والشمع والعسل وخل الخمر والترمس والجلبان والذرة والنيدة والأترج الأبلق والفراريج السرمكية، وذكر أن مريم عليه السلام شكت إلى ربها قلة لبنها فألهمها أن عملت النيدة فأطعمتها عيسى عليه السلام.
وذكر أهل العلم أنه لا يكاد يرى مترهبو الشام إلا عمشاً من أكلهم العدس ورهبان مصر سالمون من ذلك لأكلهم الجلبان، ولهم البقر الخيسية المؤبدة للحلب فقط، وهي أحسن البقر صورة، وبقر مصر ليس في الدنيا بقر أعظم منها، حتى أن العفو منها يساوي أكثر من عفو ثور من غيرها. ولهم حطب السنط والأبنوس والقرط الذي تعلفه الدواب. وذكر بعض أهل العلم أنه يوقد بحطب السنط عشرين سنة في الكانون أو التنور فلا يوجد له رماد طول هذه المدة.
وقال بعض أهل العلم: ليس في الدنيا شجرة إلا وهي بمصر، عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها.
وبوجد بمصر في كل وقت من الزمان من المأكور والمأدوم والمشروب والمشموم وسائر البقول والخضر، جميع ذلك في الصيف والشتاء، لاينقطع منه شيء لبرد ولا لحر، يوجد ذلك كله في الصيف ويوجد بعينه في الشتاء غير مفقود منه شيء واحد.
وذكر أن بختنصر قال لابنه بلسلطان: ما أردت سكنى مصر إلا لهذه الخصال وبلسطان هو الذي بنى قصر الشمع.
وقال بعض من سكن مصر: لولا ماء طوبة، وخروف أمشير، ولبن برمهات، وورد برمودة، ونبق بشنس، وتين بئونة، وعسل أبيب، وعنب مسرى، ورطب توت، وسمك كيهك، ما سكنت مصر.
ومصر مع ذلك فرضة مكة والمدينة وساحلهما، وفرضة صنعاء وعدن وعمان والشحر والسند والهند والصين وجزائر الصين وسرنديب وغيرها، يجلب العطر والجواهر والطرائف والآلات في البحر حتى توافى المراكب بالقلزم.
وهي فرضة بحر الروم من الشام كلها، وبلد الروم من أنطاكية إلى ما وراءها من قسطنطينة ورومية وبلد الإفرنجة وأنطابلس وطرابلس والقيروان وتاهرت. وسجلماسة والسوس وطنجة والأندلس وجزائر البحر صقلية وأقريطش، وقبرس، ورودس. يحمل إليها رقيق هذه البلدان كلها من الجواري والغلمان والديباج والحرير والمصطكي والميعة والمرجان والعنبر والزعفران وسائر أصناف التجارات، ويحمل من مصر إليها مثل ذلك، ولا يقصدون بلداً سواها، ولا يؤمون غيرها، فلأهلها خيار ذلك كله، ولسائر الناس حثالته، فبارك الله، لأبي المسك فيما ولاه وهناه بما أعطاه، وأوزعه على ذلك شكره، وألهمه خشيته، وأصلح له جنده ورعيته.
تم الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.





...تابع القراءة

الاثنين، 24 ديسمبر 2012

المعلم يعقوب ودوره فى تاريخ مصر

ولد يعقوب حنا في ملوي بصعيد مصر سنة 1745م تقريبًا، وهو ينتمي إلى أسرة قبطية متوسطة الحال، وقد تلقى في طفولته مبادئ القراءة والكتابة والحساب وحفظ بعض النصوص الدينية المسيحية، وذلك في أحد الكتاتيب القبطية التي كانت منتشرة بصعيد مصر آنذاك.

وشأن كثير من الأقباط احترف يعقوب منذ صباه الباكر حرفة "الكتابة" وتحصيل الأموال وضبط الحسابات، ومن هنا اتصلت أسبابه بالأغنياء وأهل اليسار، وانتهى أمره إلى العمل مع واحد من كبار أثرياء المماليك، وهو سليمان بك أغا.

ومن خلال العمل في هذا المجال استطاع يعقوب أن يكتسب خبرة واسعة بالشئون المالية الإدارية ومعرفة عميقة بحياة عموم المصريين وأوضاعهم، كما تمكَّن من جمع ثروة طائلة أورثته شيئًا غير قليل من الغرور والكبرياء، فكان حريصًا على أن يبدو مختلفًا عن الآخرين من بني جلدته وأبناء طائفته، مولعًا بالخروج على مألوف عاداتهم وما درجوا عليه، فكان يخالفهم في الزيّ والهيئة وأسلوب الكلام وطريقة الحياة، حتى إنه اتخذ امرأة سورية من غير جنسه يتسرى بها بطريقة غير شرعية.

ومن مظاهر اختلاف يعقوب عن سائر الأقباط: إتقانه بعض مهارات الفروسية وفنونها، وقد اشتهر عنه نزوع إلى القتال والنزال. ومن ذلك أنه حارب بالفعل في صفِّ المماليك ضد قوات القبطان حسن باشا، التي أرادت تثبيت الحكم العثماني في مصر قُبيل الغزو الفرنسي بقليل.

المعلم يعقوب ونابليون بونابرت:
---------------------------------------
كان "المعلم يعقوب" حين وصلت الحملة الفرنسية إلى مصر معدودًا من أثرياء القبط وزعمائهم المبرزين، سواء في أقاليم الصعيد أو في القاهرة.

وكان الفرنسيون منذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها أقدامهم مصر بحاجة إلى مساعدة الأقباط؛ لأنهم كانوا على دراية كبيرة بشئون الإدارة المالية، فهم الذين يسجلون الملكية الزراعية وهم الصيارفة وهم جباة الضرائب والأموال العامة، وبعبارة أخرى: كان الأقباط يحتكرون البيانات الصحيحة بالدخل العام للبلاد، وبالتالي فإنَّ تأمين الوجود المادي للجيش الفرنسي وتوفير الأموال اللازمة لتدبير احتياجاته يتوقف على مساعدة القبط للغزاة، ومدى تعاطفهم معهم.

والحق أن بعض الأقباط لم يجدوا حرجًا في التعاون مع الفرنسيين، ولم يؤرق ضمائرهم أن يكونوا ذراع المحتل الغاضب في جباية الأموال وتحصيل الضرائب، ومن هنا قَبِل المعلم "جرجس الجوهري" أن يكون مسئولاً عامًّا عن تحصيل الضرائب العقارية، كما قام في الوقت نفسه بتنظيم الموارد المالية.

أما "المعلم يعقوب" فقد بادر إلى عرض خدماته على الفرنسيين، وكان مخلصًا في تعاونه معهم بقدر ما كان خائنًا للبلد الذي نشأ فيه، والناس البسطاء الذين شبَّ بينهم، سواء كانوا من المسلمين أم القبط المخلصين الذين أَنِفُوا أن يضعوا أيديهم في يد المحتل الفرنسي.

ومهما يكن من أمر، فقد وافق نابليون بونابرت على أن يرافق المعلم يعقوب الجنرال ديسيه في حملته على الصعيد؛ نظرًا لسابق معرفته بأقاليم الصعيد، واطلاعه على أوضاعها المالية والإدارية.

وقد بذل المعلم يعقوب جهودًا مضنية لإنجاح حملة ديسيه؛ فأشرف على تجهيز ما يلزم الحملة، وأمَّن لها طرق السير، وتوفر على ضبط الشئون المالية والإدارية للأقاليم المفتوحة، وعمل على التوفيق بين الأوامر الجديدة التي كان يصدرها الجنرال ديسيه والأنظمة القديمة المألوفة في البلاد.

وكان يعقوب سخيًّا في مساعدته للفرنسيين أشد ما يكون السخاء، إذ لم يكتف بتوظيف خبرته المالية والإدارية لصالحهم، بل شارك في العمليات الحربية مشاركة فاعلة تنبئ عن نفسٍ حاقدة على الإسلام والمسلمين. وتقديرًا لحسن بلائه في المعارك منحه الجنرال الفرنسي سيفًا تذكاريًّا منقوشًا عليه (معركة عين القوصية - 24 ديسمبر 1798م).

المعلم يعقوب والجنرال كليبر:
-------------------------------
لم يكد يمضي عام على الغزو الفرنسي لمصر، حتى أدرك نابليون -بعد الصعوبات الهائلة التي تعرض لها هو وقواته- استحالة تحقيق حلمه في بناء إمبراطورية فرنسية بالشرق تكون مصر قاعدة لها، ومن ثَمَّ كان بقاؤه في مصر عبثًا لا نفع من ورائه، فعاد إلى فرنسا في مطلع أغسطس سنة 1799م تاركًا قيادة الحملة للجنرال كليبر، الذي قام بقمع ثورات المصريين في وحشية بالغة وقسوة سجَّل المؤرخون كثيرًا من مظاهرها. وكان للمعلم يعقوب دور "قذر" في قمع الثورة وتعقُّب الثوار والقضاء عليهم؛ حيث تحصن بداره في الدرب الواسع جهة الرويعي، واستعد استعدادًا كبيرًا بالسلاح والعسكر المحاربين، وتحصن بقلعته التي كان شيدها بعد ثورة القاهرة الأولى، وقد انضم إلى المعلم يعقوب في حروبه ضد العثمانيين أو المماليك بعد نقض معاهدة العريش عددٌ من القبط والشوام والأروام.

وبعد نجاح كليبر في إخماد الثورة فرض على المصريين كثيرًا من الأموال عقابًا لهم، وفي الوقت نفسه كافأ المعلم يعقوب على ما قدمه للفرنسيين من ألوان الدعم والمعونة العسكرية بأنَّ سلطه على المسلمين يفعل بهم ما يشاء.

ومن المؤسف حقًّا أن بعض الأقباط ونصارى الشام وخاصة من التحق منهم بخدمة الفرنسيين تطاولوا على المسلمين، وأساءوا إليهم بالقول والفعل بعد إخماد ثورة القاهرة الثانية.

ويشير الجبرتي إلى تعسف الفرنسيين في تحصيل الأموال التي فرضوها على المصريين منوهًا بدور الأقليات المسيحية في ذلك: "وكل ذلك بإرشاد القبط وطوائف البلاد (أي: الأقليات المسيحية)؛ لأنهم هم الذين تقلدوا المناصب الجليلة، وتقاسموا الأقاليم، والتزموا لهم بجمع المال. ونزل كل كبير منهم إلى إقليم، وأقام بسرة الإقليم مثل الأمير الكبير، ومعه عدة من العساكر الفرنساوية، وهو في أبهة عظيمة وصحبته الكتبة والصيارفة والأتباع والخدم والفراشون...

ويرسل إلى ولايات الأقاليم من جهته المستوفين من القبط أيضًا، ومعهم العسكر من الفرنساوية والصرافين، فينزلوا على البلاد والقرى ويطلبون المال والكلف الشاقة بالعسف، ويؤجلونهم بالساعات، فإن مضت ولم يوفوهم المطلوب حلَّ بهم ما حل من الحرق والنهب والسلب والسب".

المعلم يعقوب والفيلق القبطي:
--------------------------------
وكذلك فقد منح الجنرال كليبر المعلم "يعقوب" رتبة كولونيل، وجعله على رأس فرقة عسكرية من شباب القبط، كان أمر تدريبهم منوطًا بعدد من الضباط الفرنسيين. ويذكر بعض مؤرخي الأقباط أن المعلم يعقوب هو الذي جهَّز هذا الفيلق القبطي بالسلاح والميرة من ماله الخاص. يقول الجبرتي: "طلبوا -أي الفرنسيين- عسكرًا من القبط، فجمعوا منهم طائفة وزيُّوهم بزيهم، وقيدوا بهم من يُعلِّمهم كيفية حربهم ويدربهم على ذلك، وأرسلوا إلى الصعيد فجمعوا من شبابهم نحو الألفين، وأحضروهم إلى مصر وأضافوهم إلى العسكر".

ومعنى ذلك أن الفيلق القبطي الذي تزعمه المعلم يعقوب كان عبارة عن فرقة عسكرية مدربة ملحقة بالجيش الفرنسي، أُنشئت لمعاونة الفرنسيين في حربهم ضد المماليك والعثمانيين.

والحق أن سياسة الفرنسيين في تجنيد بعض أبناء الأقليات الدينية في مصر لم تكن مقصورة على القبط، بل اتسعت دائرتها لتشمل اليونانيين وغيرهم. وقد وقعت هذه السياسة من نفس يعقوب موقعًا حسنًا، وصادفت منه تجاوبًا واهتمامًا، وكما يقول الدكتور أحمد حسين الصاوي: "فإن الفرنسيين بخطتهم الاستعمارية، ويعقوب بأحلامه وتطلعاته التقيا على إرادة واحدة تجسدت في إنجاز واحد هو تكوين الفيلق القبطي".

وقد أراد الأستاذ شفيق غربال أن يمحو عن المعلم يعقوب وصمة الخيانة للأمة المصرية وخطيئة العمالة للاحتلال الفرنسي، فحاول أن يجعل منه رائدًا للتحديث وداعية من دعاة الاستقلال عن المماليك والعثمانيين جميعًا، عن طريق تكوين جيش مصري مدرب على الطراز الغربي يكون أداة لاستقلال مصر.

وهي محاولة لا تقوم على سند صحيح من التاريخ، وتصوُّر يناقض المتواتر من روايات المؤرخين المعاصرين للحملة الفرنسية، سواء كانوا من المصريين أو الفرنسيين أنفسهم؛ فالمعلم يعقوب في ضوء الروايات قبطي مارق وضع يده في يد المحتل الفرنسي، وكان حربًا على أمته.

وأعجبُ من محاولة الأستاذ غربال تصوير يعقوب في صورة المصري الوطني والمناضل الغيور على أمته الحريص على استقلالها، غمزُه للسيد عمر مكرم بأنه مثال لعالم الدين التقليدي الذي يركن إلى تهييج وإثارة عواطفهم دون وضع قاعدة سليمة للعمل السياسي الدائم. وثالثة الأثافي تقديم المعلم يعقوب الخائن على السيد عمر مكرم العالم المناضل المخلص الذي لا ينكر دوره الوطني المجيد إلا صاحب هوى.

ومهما يكن من أمر، فقد مكث المعلم يعقوب بالقاهرة على رأس الفيلق القبطي المساند للاحتلال الفرنسي، المؤيِّد لخططه وبرامجه.

المعلم يعقوب في عهد مينو:
----------------------------
ولم يكد كليبر ينجح في قمع ثورة القاهرة الثانية حتى اغتيل على يد سليمان الحلبي في 14 يونيو 1800م، فآلت قيادة الحملة إلى جاك منو. وقد ظل المعلم يعقوب في عهد منو "يؤدي مهمته في خدمة السلطات الفرنسية، ويتفانى هو وأعوانه في أداء هذا العمل على حساب أمن المصريين وسلامتهم وحرياتهم وكرامتهم وحرمة بيوتهم وأموالهم".

والحق أن تعاون هؤلاء الخونة مع الفرنسيين لم يكن نابعًا من مجرد التعصب الديني فحسب، بل كان يغلب عليه الطمع والأثرة العمياء التي تجرد النفوس من المشاعر الإنسانية الطيبة. وقد واصل هؤلاء تعسفهم في جمع الأموال التي فرضها الاحتلال الفرنسي على المصريين.

في عهد (منو) استمر يعقوب وأعوانه في تقديم المساعدة العسكرية للفرنسيين، حيث قاموا بتحصين القاهرة في وجه العثمانيين عندما اقتربوا منها للمرة الثانية (مايو 1801م). وفي ذلك يقول الجبرتي: "توكل رجل قبطي يقال له عبد الله من طرف يعقوب بجمع طائفة من الناس لعمل المتاريس، فتعدى على بعض الأعيان، وأنزلهم من على دوابهم وعسف وضرب بعض الناس على وجهه حتى أسال دمه، فتشكى الناس من ذلك القبطي...".

ومن المؤسف حقًّا أن بعض المسلمين كانوا من أعوان يعقوب في قهر المصريين وإذلالهم، ويذكر الجبرتي منهم رجلاً يُدعى مصطفى الطاراتي، وكان من موظفي الإدارة العثمانية ثم التحق بخدمة الفرنسيين. وقد تم القبض عليه وإعدامه في ميدان باب الشعرية بعد رحيل الحملة الفرنسية.

وتقديرًا لإخلاص المعلم يعقوب للفرنسيين وما قدمه لهم من ألوان الدعم والمساندة، فقد منحه "منو" رتبة جنرال في مارس 1801م.

المعلم يعقوب والأيام الأخيرة للحملة الفرنسية:
------------------------------------------------
تحرَّج موقف الفرنسيين نتيجة الضغوط العسكرية التي مارسها عليهم العثمانيون والإنجليز؛ حيث زحف الجيش العثماني نحو القاهرة، في حين زحف الجيش الإنجليزي من رشيد بعد أن فرض حصارًا على "منو" في الإسكندرية. وزاد من صعوبة الموقف الفرنسي انتشار مرض الطاعون في صفوف الجند وحصده أرواح كثير منهم، ومن ثَمَّ لم يجد الفرنسيون بدًّا من الدخول في مفاوضات مع العثمانيين والإنجليز، وهي المفاوضات التي أثمرت عن توقيع اتفاق الجلاء عن مصر.

وقد تضمنت اتفاقية الجلاء مادتين مهمتين تتعلقان بوضع عملاء الفرنسيين ومعاونيهم من قبط مصر وغيرهم إبان فترة الاحتلال، وهاتان المادتان هما:

1- كل من أراد من أهل مصر أيًّا كان دينه أن يصحب الفرنسيين في عودتهم إلى فرنسا، فله ذلك.

2- كل من التحق بخدمة الفرنسيين لا يكون قلقًا على حياته أو ممتلكاته.

وهكذا فقد أَمِن على نفسه وماله وعياله كل من تعاون مع الفرنسيين إبان الاحتلال. وقد أصد الأمير المملوكي إبراهيم بك أمانًا لأكابر القبط، فخرجوا وسلموا ورجعوا إلى دورهم.

وقد قرر عدد غير قليل ممن كان يتعاون مع الفرنسيين الرحيل معهم إلى فرنسا، وعلى رأس هؤلاء المعلم يعقوب الذي خرج بمتاعه إلى الروضة في صحبة عدد كبير من عسكر القبط، فاجتمعت نساؤهم وأهلهم وتوجهوا إلى القائد الفرنسي "بليار" يبكون ويرجونه أن يدع هؤلاء القبط الفارين، فوعدهم بليار أن يرسل إلى يعقوب يأمره بألاَّ يجبر من لا يريد السفر معه.

ومع ذلك فقد آثر الهجرة إلى فرنسا جمهور غفير من القبط والأروام ونصارى الشام وتجار الإفرنج وبعض المسلمين ممن كانوا يتعاونون مع الفرنسيين، بيد أن الجبرتي يذكر أنه بعد مرور نحو شهر من خروج هؤلاء المهاجرين إلى القاهرة "حضرت جماعة من عسكر القبط الذين كانوا ذهبوا بصحبة الفرنساوية، فتخلفوا عنهم ورجعوا إلى مصر".

ومعنى ذلك أن جزءًا من عسكر الفيلق القبطي التابع للمعلم يعقوب تراجع عن قرار الهجرة وقرر البقاء في مصر. ومما ساعد على ذلك حرص العثمانيين على تكرار المناداة بالأمان وإشاعة جو من التسامح والتجاوز عن الماضي وبدء صفحة جديدة في العلاقات بين مختلف طوائف السكان. وكان العثمانيون يهدفون من وراء هذه السياسة إلى اكتساب تأييد أهل مصر جميعًا، ومنع وقوع أي منازعات طائفية تضرُّ بأمن البلاد.

ويذكر الجبرتي أنه بعد مرور شهر من توقيع اتفاقية الجلاء عن القاهرة "نُودي بأن لا أحد يتعرض بالأذية لنصراني ولا يهودي، سواء كان قبطيًّا أو روميًّا أو شاميًّا؛ فإنهم من رعايا السلطان، والماضي لا يعاد".

ولم تكن إذاعة هذا الأمان مقصورة على القاهرة، ولكنها شملت عددًا من أقاليم الوجه البحري والقبلي، وهو الأمر الذي سمح للأقباط بالعودة مرة أخرى إلى مزاولة وظائفهم الإدارية والمالية.

أما المعلم يعقوب فلم يتراجع عن قرار الهجرة إلى فرنسا، وقد رافقه من أسرته والدته وزوجته وابنته وأخوه حنين، وابن أخته غبريال.

ومن الجدير بالذكر أن السلطة العثمانية أرسلت إلى القائد الفرنسي بليار تطلب منه أن يحاول إقناع المعلم يعقوب بالبقاء في مصر لتنتفع بخبراته المالية والإدارية، ولكن المعلم يعقوب رفض البقاء رفضًا قاطعًا؛ لأنه خشي أن تكون دعوة العثمانيين له بالبقاء مؤامرة قد تودي بحياته؛ جزاء خيانته لوطنه وأمته إبان الاحتلال الفرنسي.

وفي العاشر من شهر أغسطس أبحرت السفينة الفرنسية "بالاس" تحمل على متنها فيمن تحمل المعلم يعقوب ورفاقه. وبعد إقلاعها بيومين نزل عقاب السماء بالخائن يعقوب، حيث أصيب بحمى شديدة ومات في عرض البحر بعد أربعة أيام. وظلت جثته على ظهر السفينة حتى مرسيليا حيث دفن هناك.

المراجع:
- عبد الرحمن الجبرتي: عجائب الآثار في التراجم والأخبار، تحقيق: د. عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة 2003م.
- د. أحمد حسين الصاوي: المعلم يعقوب بين الأسطورة والحقيقة، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة ذاكرة الكتاب 2009م.
- شفيق غربال: الجنرال يعقوب والفارس لاسكاريس ومشروع استقلال مصر في سنة 1801م، القاهرة، دار الشروق، ط. الأولى 2009م.

المصدر: كتاب (المجرمون المائة أولهم قابيل وآخرهم مبارك)، مكتبة مدبولي الصغير - مصر، 2011م.
...تابع القراءة